أحمد ياسوف
486
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ويمكن أن نقول هذا في قوله تعالى : فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ [ الهمزة : 9 ] ، وكذلك قوله تعالى : فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ [ الحاقة : 22 ] فهاتان الكلمتان تكملان الصورة أمام البصر ولا تدعان للنّقص مكانا ، إضافة إلى جمال المحافظة على الرّنة الموسيقية . نستنتج مما سبق أنّ جمالية تمكّن الفاصلة لم تكن وليدة عصرنا ، فقد أفاض القدامى في بيان مضمون الفاصلة ، وحقّه من الوجود ، وبعدها عن التكلّف والقلق في مكانها ، وردّوا تهمة السّجع ، بيد أنهم لا ينفون قصد القرآن إلى الترنيم بالفواصل ، وذلك بتقديم معنى الفاصلة وأهميّته في الآية على المراعاة اللفظية . وكان لكلّ دارس أسلوبه في إبراز تمكّن الفاصلة ، وقد أثبتنا في الفقرة وقفات رائعة لهم ، وبيّنّا المعيار الذي يعتمده كلّ منهم ، فهناك المعيار اللغوي ، ودقّة الاستعمال والفروق ، وهناك معيار النظر إلى أوّل الآية ، ولم تخل نظراتهم من تمحيص وكشف لظلال الفاصلة ، وقد وجدوا جمالها يتوزّع بين مناسبتها لما قبلها ، وإضاءتها للنص بمعنى جديد ، وقد تبيّن لنا أن القدامى بذلوا جهدا كبيرا في هذا المضمار ، لم يزد عليه المحدثون كثيرا . د - رأي الدّاني : والجدير بالذكر أن هناك تعريفا للفاصلة انفرد به أبو عمرو الدّاني ( - 444 ه ) ، إذ يرى أنّ الفاصلة هي كلمة آخر الجملة ، وليس آخر الآية ، كما هو متعارف عليه ، وقد نقل الزركشي رأيه هذا . يقول أبو عمرو : « أمّا الفاصلة فهي الكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس وكذلك الفواصل يكنّ رؤوس آي وغيرها ، وكلّ رأس آية فاصلة ، وليس كلّ فاصلة رأس آية ، فالفاصلة تعمّ النّوعين ، وتجمع الضربين ، ولأجل كون معنى الفاصلة هذا ذكر سيبويه في تمثيل القوافي